التاريخ الهجري

    الجمعة 17 جمادى الثاني 1435
    Home الصفحة الأولى خطب الجمعة خطب الجمعة دور الشباب في الحياة
    نشاط المسجد - خطب الجمعة

    الموضوع:دور الشباب في الحياة

     

    تمهيد:

    الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خِلفة لمن أراد أن يذكّر أو أراد شكوراً؛ والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجًا منيراً بلَّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمة، رفع الله به رءوسنا وكانت مخفوضة، وشرح به صدورنا وكانت ضيقة، وأسمع به آذاننا وكانت صمَّاء، وبصَّر به عيوننا وكانت عمياء، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا أما بعد:

    فياأيها الإخوة الفضلاء النجباء الأبرار.

    إن كان لي شكر، فإني أتوجه بالشكر إلى الله تبارك وتعالى على توفيقه، وعلى أن جمعنا بهذه الوجوه الساجدة لله، الباسمة المتوضئة المستنيرة بنورِ الإيمان؛ ثم أشكر القائمين على هذا الجهد العلمي الفذ إماما وجمعيةً.

    أيها الإخوة الكرام: إن مداخلتي هذه ليس فيها شيء جديد عليكم ولا غريب؛ ولكنها ذكرى، فإننا نتحدث مع جيلٍ آمن بالله ورضي به رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً.حديثي إليكم -أيها الإخوة الفضلاء- عن دور الشباب في الحياة ..و بداية نشنف أسماعنا بهذه الآية الكريمة التي يقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى فيهـا: { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا } فقبل أن يأتينا الإيمان يا معشر الأحباب كنا رعاة إبل وشاةٍ لا نفهم، ولا نفقه، فلا حضارة ولا تاريخ، ولا ثقافة، فلما بعث الله فينا هذا الرسول عليه الصلاة والسلام ابتُعثنا من جديد، قال تعالى: { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ } [الجمعة:2].ولما حُصِرَ مفهوم الإيمان في مسائل ضيقة أصبح الجيل كما ترون إلا من رحم الله. قالوا: الإيمان معناه أن تصلي صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، وأن تغتسل من الجنابة، وأن تتوضأ، والإيمان أن تضحي يوم الأضحى وأن تحج وأن تعتمر، ثم تُرك السلوك، وتركت الأدبيات لشخصيةِ المسلم، وتُرِكَ البيت، وتُرِكَ السمع والبصر لا دخل للإيمان فيه؛ وإلا فما تأثير الإيمان إذا كان طقوساً تعبدية فحسب!فما وُجِدَت الأغنية الماجنة في المجتمع المسلم، وطُرِدَ القرآن من البيت، إلا يوم خرج الإيمان من القلوب.فعاش الناس بلا وازع.

    ü أثر الشباب في قوة الأمة ونهضتها :

    والحديث عن الشباب أيها الإخوة الأفاضل حديث يطول وهو ذو شجون..

    · إن للشباب مكانة عظيمة ومنزلة عالية، فهم فجر الإسلام وعمدة النصر، ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الاحتفاء بالشباب لصبرهم وجلدهم في الثبات على الدين و الاستقامة .

    أحبتي في الله! إن كان شيوخنا وآباؤنا عقول الأمة التي تخطط وتفكر، فإن شبابنا سواعد الأمة التي تبني وتعمر، فالأمة لا تستغني أبداً عن شبابها، وأمة تستغني عن شبابها أمة محكوم عليها بالفناء والزوال ، أمة خاسرة مخذولة.فلا غنى أبداً للشباب عن الشيوخ والآباء، ولا غنى أبداً للشيوخ والآباء عن الشباب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحفاوة بالشباب، فلقد أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في سن الأربعين وهو سن اكتمال الشباب، وكان أبو بكر رضي الله عنه في الثامنة والثلاثين من عمره في ريعان الشباب.أما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكان في السابعة والعشرين من عمره في ريعان الشباب، و علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان في العاشرة من عمره، و الزبير بن العـوام و طلحة بن عبيد الله و الأرقم بن أبي الأرقم و خباب بن الأرت و مصعب بن عمير و سعد بن أبي وقاص و أسيد بن حضير هؤلاء وغير هؤلاء كانوا شباباً في ريعان الشباب، نصروا الدعوة من لحظاتها الأولى، وبذلوا عرقهم، بل وأرواحهم ودماءهم لنصرة هذا الدين.

    فأول سفير يتحدث باسم الإسلام خارج أرض الإسلام كان شاباً في ريعان الشباب في العشرينات من عمره، استطاع هذا الشاب بلغة لم ولن تعرف الدبلوماسية المعاصرة لها مثيلاً على الإطلاق استطاع هذا الشاب المبارك بعرضه لقضية الإسلام أن يضيء للإسلام شمعة في أرض مظلمة، واستطاع أن يشق للإسلام نهراً للحياة وسط صخور صلدة قاسية عاتية، إنه جعفر بن أبي طالب حين تحدث بين يدي النجاشي في بلاد الحبشة.

    و أول فدائي في الإسلام كان شاباً في الثالثة والعشرين من عمره حين نام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم وقد قدم روحه رخيصة لنصرة هذا الدين وللذود والذب عن سيد النبيين وإمام المرسلين، إنه الشاب الذي اضطر يوماً لأن يفخر فقال: محمدٌ النبي أخي وصهري وحمزة سيد الشهداء عمي وجعفر الذي يمسي ويضحي يطير مع الملائكة ابن أمي وبنت محمد سكني وزوجي منوط لحمها بدمي ولحمي وسبطا أحمد ولداي منها فأيكم له سهم كسهمي إنه أسد الله الغالب علي بن أبي طالب رضي الله عنه.و أول داعية يتحرك للدعوة خارج أرض الإسلام، بل ويضع النبي صلى الله عليه وسلم بين يديه مصير الدعوة بأكمله كان شاباً في ريعان الشباب، إنه زهرة فتيان قريش، إنه لؤلؤة مجالسها، إنه غرة فتيانها، إنه قطب الرحى بين رجالها، إنه أعطر شبابها، إنه مصعب الخير مصعب بن عمير .وهذا شاب آخر يأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يسير لمناطحة الصخور الصماء في بلاد الروم لتأديب القبائل التي اعتدت على حدود الدولة الإسلامية، يوليه النبي قيادة الجيش المسلم، وتحت قيادته أكابر الصحابة ـ كأبي بكر و عمر و عثمان و علي رضوان الله عليهم أجمعين، إنه الحب بن الحب أسامة بن زيد رضي الله عنه. الأمير عبد القادر حينما بويع بالإمارة كان شابا وقارع الاستدمار الفرنسي وهو شاب وابن باديس الذي حمل لواء النهضة والإصلاح كان شابا ومات وهو شاب -قيل مات بسبب الإرهاق –وقادة الثورة كانوا شباباً في ريعان الشباب، عرفوا الغاية التي من أجلها خلقوا، وعرفوا الوظيفة التي من أجلها ابتعثوا، وبذلوا أرواحهم رخيصة لنصرة الحق ولأجل أن نعيش نحن في وطننا أحرارا أعزاء.لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحفاوة بالشباب، وشديد الحب للشباب، وشديد العناية بالشباب، فالشباب بلا نزاع هم مستقبل الأمة بإذن الله، الشباب هم أمل الأمة بعد الله تبارك وتعالى، الشباب والشابات على حد سواء , وللمرأة دورها العظيم في الماضي والحاضر, وفي موقف عائشة وأسماء رضي الله عنهما أثناء هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم ما يثبت حاجة الدعوات الإصلاحية إلى النساء، فهن أرق عاطفة، وأكثر اندفاعا، وأسمح نفسا، وأطيب قلبا، والمرأة إذا آمنت بشيء لم تبال بنشره والدعوة إليه بكل صعوبة، وعملت على إقناع زوجها وإخوتها وأبنائها به، ولجهاد المرأة في سبيل الإسلام في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم صفحات بيضاء مشرقة، تؤكد لنا اليوم أن حركات الإصلاح الإسلامي ستظل وئيدة الخطأ، قليلة الأثر في المجتمع حتى تشترك فيها المرأة، فتنشئ جيلا من الفتيات على الإيمان والخلق والعفة والطهارة، هؤلاء أقدر على نشر القيم التي يحتاج إليها مجتمعنا اليوم في أوساط النساء من الرجال، عدا أنهن سيكن زوجات وأمهات، وأن الفضل الكبير في تربية كبار الصحابة ثم التابعين من بعدهم يعود إلى نساء الإسلام اللاتي أنشأن هذه الأجيال على أخلاق الإسلام وآدابه، وحب الإسلام ورسوله، فكانت أكرم الأجيال التي عرفها التاريخ في علو الهمة، واستقامة السيرة، وصلاح الدين والدنيا.

    فالشمس لا تملأ النهار في آخره كما تملأ النهار في وسطه وأوله، تلك هي مرحلة الشباب، ومرحلة الطاقة، ومرحلة الفتوة، ومرحلة العمل، ومرحلة الإرادة، ويجب على هذه الأمة أن تستغل شبابها، وأن توظف شبابها التوظيف الايجابي الذي يعود على الجميع بالنفع. فالشباب هم القلب النابض لهذه الأمة وهم القوة التي لاحراك للأمة إلا بها فلا بد أن يعنى الجميع بهذه المرحلة ,وهي مرحلة القوة بين ضعفين ,ضعف الطفولة وضعف الشيخوخة كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم حين قال: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (الروم:54)ومن هنا كانت أهمية هذه المرحلة وأهمية توجيهها والعناية بها حتى لاتضل الطريق,وحتى لاتتبدد هذه الثروة ,التي هي من أغلى الثروات وأعزها .ثروة الأمم ليست في المذخور في باطن الأرض ,ولا في المنشور على ظاهرها فقط .ليست ثروتها في معادنها,وليست ثروتها في ذهبها وفضتها ,وليست ثروتها فيما تملكه من أرصدة في البنوك.ليست هذه الثروة فقط كما يتصور الكثيرون.الثروة الحقيقية هي: الإنسان.الإنسان هو أعظم ثروة ,والشباب هم العنصر الأهم لهذه الثروة الإنسانية.ولهذا إذا أردت أن تعرف مستقبل أمة,فاعرف ما موقع شبابها منها ما الذي يشغل شبابها؟ما الذي يهمهم؟ما أهدافهم في الحياة ؟ماذا يصنعون؟وفيم يفكرون؟وبأي شيء يحلمون؟وعلام تدور أمورهم وجلساتهم وندواتهم ؟فما أحوجنا نحن المسلمين إلى أن نعرف دور شبابنا,وأن نعرف أهمية هذه المرحلة التي يسأل الله الناس عنها خاصة يوم القيامة ,حينما تنصب الموازين , وتنشر الدواوين,ويقوم رب العالمين بالحساب ,هناك أسئلة رئيسية أربعة,من هذه الأسئلة سؤالان عن حياة الإنسان وعمره ,عن عمره عامة وعن شبابه خاصة :"ماتزال قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيم أفناه ,وعن شبابه فيم أبلاه ,و عن ماله من أين اكتسبه ,وفيم أنفقه ,وعن علمه ماذا عمل فيه"رواه البيهقي وغيره من حديث معاذ بن جبل –ض-

    أيها الإخوة: الأفاضل شبابنا الأولون –الذين فتحوا البلاد ,وحكموا العباد ونشروا فيها العلم والإيمان والعدل والإحسان,والذين حفظوا القرآن ونقلوه إلينا,وحفظوا السنة ونقلوها إلينا ,والذين انطلقوا إلى أرض الله (المصحف في يد والسيف في يد) لايبغون إلا رضاء الله ونشر الإسلام وإعلاء كلمة الله-كانت عندهم مثل عليا ,كانت لهم أهداف كبيرة ,تعيش فيهم ويعيشون فيها,لم يكن همهم الشهوات فهم أكبر من أن يضحك عليهم إبليس.ونحن اليوم تتقاذفنا الشهوات والشبهات نتيجة الفراغ الرهيب الذي نعيشه,فراغ في النفس وفراغ في الوقت أما هؤلاء فلم يكن عندهم فراغ ,لا في أنفسهم ولا في حياتهم .كانوا يعيشون لرسالة جليلة ,فهل استطعنا في عصرنا هذا أن نعيش شبابنا في مثل هذه الرسالة ولمثل هذه الأهداف حتى يكون لهم دور في قوة الأمة ونهضتها .للأسف لم نستطع .

    أيها الفضلاء :الشباب مرحلة خصبة من مراحل العمر,لهذا يجب أن نعنى بها, وهي مسؤولية الجميع :مسؤولية الشاب نفسه مادام بالغا عاقلا رشيدا مكلفا,فقد قال تعالى :"كل نفس بما كسبت رهينة" المدثر38

    وهي مسؤولية الأسرة(أبيه وأمه) لقوله صلى الله عليه وسلم "كلكم راع ومسئول عن رعيته,الإمام راع ومسئول عن رعيته ,والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته,والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها"رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر-ض

    ينبغي على الأب المسئول عن الأسرة أن يحاسب أولاده وأن يراقبهم ولكن من غير مبالغة, يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ" قال ابن عباس رضي الله عنهما : اعملوا بطاعة الله واتقوا معاصي الله ومروا أولادكم بامتثال الأوامر واجتناب النواهي فذلك وقاية لكم ولهم من النار ( وقال علي كرم الله وجهه : علموا أنفسكم وأهليكم الخير وأدبوهم )

    أيسرك أن يتعلم ابنك ويحصل على أعلى الشهادات ,ويتسلم أرقى المناصب ثم يكون مصيره إلى جهنم وبئس القرار فتوفير المطالب المادية ليس هو وحده المطلوب, بل قد يكون في هذا الخطر.قد يكون في إعطاء الأولاد مايشتهون من نفقات وفلوس –وهم لايحسنون التصرف فيها- الخطر كل الخطر, والشر كل الشر .

    يقول الشاعر أبو العتاهية في أرجوزته:

    v إن الشباب والفراغ والجدة**مفسدة للمرء أي مفسدة

    · والفراغ. فراغ الوقت,وفراغ النفس من هموم المعيشة, ولذلك كان من المهم والمهم جدا:أن نملأ فراغ الشباب,ألا ندع أوقاته فارغة,ولا نفوسهم فارغة ,أن نعمرها بالخير ,أن نشغلهم بأي أنشطة شتى رياضية وثقافية وترويحية,ودينية ,ونربطهم ما أمكننا بأهداف كبيرة يعيشون لها ويعيشون بها.

    للأسف نجد معظم شبابنا يعيشون في فراغ كبير ,لايجد من أهله مايملأ فراغه ,ولايجد من مجتمعه ما يملأ فراغه,فراغ في الوقت وفراغ في النفس أكبر وأكبر.نفسه فارغة من المثل العليا,من الأهداف العظمى ,التي كان يعيش لها من أمثال:علي ابن أبي طالب,وأسامة بن زيد,ومحمد بن القاسم,وغيرهم من شباب الإسلام.-كثير من شبابنا أصبح اليوم كل همه أن يسمع الأغاني ,ويقلد الممثلين والمغنيين الأجانب ,ويلبس في عنقه سلسلة أوقلادة من الذهب أوفي يده خاتما من الذهب لايفرق بين حلال وحرام ,ولا يعرف شيئا عن واجباته ,هذا الشباب مصيبة كبيرة على نفسه وعلى أهله وعلى وطنه وأمته. هؤلاء الشباب لأي شيء يصلحون ؟أيصلح هذا الشباب لما صلح له حبيب بن زيد الذي سافر إلى اليمامة ليدعو مسيلمة الكذاب إلى الله تعالى وكان الثمن يومها غاليا لما قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمداً رسول الله؟قال: نعم. فيقول أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع فلم يزل يقطعه إرباً إرباً وهو ثابت على ذلك.أيصلح شبابنا لما صلح له معاذ بن جبل الذي بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيا وإماما ومرشدا فيعلمه فن الدعوة وفقهها ويعلمه التدرج في دعوة الناس فيقول له: ( يا معاذ ! إنك ستأتي قوماً أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله وحده، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم بأن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم بأن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وتعطى إلى فقرائهم ) .أيصلح شبابنا لما صلح له أسامة بن زيد الذي قاد الجيش الإسلامي وفيه كبار الصحابة,وهو ابن الثامنة عشرة من عمره.أيصلح هذا الشباب لما صلح له محمد بن القاسم بن محمد الذي فتح بلاد الهند عن طريق السند؟انطلق من الجزيرة العربية إلى بلا د لايعرفها,يقود الجيوش المسلمة لتنشر الإسلام ,وتبليغ الأمم دعوة الإسلام .لولا طموح هذا الشاب وإقباله ماكانت باكستان وبنغلادش ومسلمو الهند .يقول العلامة الشيخ القرضاوي[2] :هذه البلاد مدينة لمحمد بن القاسم بن محمد.ومن ذهب إلى (كراتشي) وركب القطار متجها إلى داخل باكستان,وجد هناك محطة مكتوبا عليها:محمد بن القاسم.كان عمر محمد بن القاسم حين قاد هذا الجيش :سبع عشرة سنة .وقال فيه الشاعر:

    إن السماحة والمروءة والندى **لمحمد بن القاسم بن محمد

    قاد الجيوش لسبع عشرة حجة**ياقربى ذلك سؤددا من مولد .

    أيصلح شبابنا اليوم لماصلح له محمد الفاتح ,الذي فتح القسطنطينية وقضى على الدولة الرومانية البيزنطية,وانتهت من التاريخ سنة(1453م),وكان في الثالثة والعشرين من عمره؟وكان قد قرأ الحديث:"لتفتحن القسطنطينية ,ولنعم الأمير أميرها,ولنعم الجيش ذلك الجيش "رواه أحمد والحاكم ,فتعلق قلبه أن يناله نصيب من هذا الحديث الشريف,وحقق الله له ماأراد ,وكان نعم القائد ونعم الحاكم ..الذي يهمنا من ذكر هذه النماذج هي طموحاتهم وهممهم وتضحياتهم:

    أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المحافل

    نحن بحاجة إلى شباب لهم طموح كطموح أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال: قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: سل, فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة فقال: "فأعني على نفسك بكثرة السجود". شباب عاشوا لقضايا كبيرة فماتوا وهم كبار.

    شباب كانت لهم آمال كبار فماذا يصنع شبابنا لأي شيء يصلح شبابنا اليوم مما صلح له شبابنا الأقدمون ؟هل يفكرون فيما كان يفكر فيه هؤلاء ؟هؤلاء كانوا يصبحون ويمسون ,وكل تفكيرهم في هذا الدين هذا هو هدف شبابنا الأول .أما شبابنا اليوم فالكثير منهم ضائع, فمن المسئول عن ضياعهم ياترى؟هل الأسرة هي المسئولة ؟هل الآباء ؟ هل الأمهات ؟هل هؤلاء المشغولون عن أبنائهم وبناتهم؟هل المسئول هو المجتمع:التوجيه..الإعلام..الثقافة ..الصحافة الإذاعة..التلفزيون..المسارح..؟من المسئول ؟هل المسئول مجالس رعاية الشباب المكونة في كل البلاد الإسلامية, وكل عملها الرياضة والكرة, وتشجيع الناس على أن يكونوا متفرجين ومنقسمين ,بعضهم مع هذا النادي, وبعضهم مع ذلك النادي؟ من المسئول ؟العلماء والخطباء . ؟

    من المسئول؟ الكل مسئول .يجب أن نعترف بهذه الحقيقة.كلنا مسئولون ,بداية من الآباء والأمهات ,إلى أعلى المسئوليات ,كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "كلكم راع ومسئول عن رعيته...)كلنا يجب أن يفكر.لأجل أن يكون لدينا شباب له أثر ايجابي في قوة الأمة ونهضتها.

    · الشباب يفتقد حسن التوجيه ,وأين يجد التوجيه وأمامه أجهزة الإعلام والتوجيه التي تصنع له نماذج معينة وتوحي له بايحائات معينة ؟-الشباب بحاجة إلى القدوة ,فهل يجد هذه القدوة الصالحة في البيت ؟هل يجدها في المدرسة ؟هل يجدها في المجتمع؟للأسف القدوة الصالحة قلما توجد الآن أيها الإخوة الفضلاء نحن في حاجة إلى البيئة المساعدة :البيئة الصالحة التي تساعد الشباب على أن ينمو نموا حسنا .لابد من العمل على تكوين هذه البيئة الصالحة في كل مكان ,لكي يعيش الشباب عيشة إسلامية صحيحة حتى يكون المجد والقوة التي نريد فتنتفع به أمته ووطنه .

    نحن للأسف ننقل عن الغرب, ونريد أن نعيش كما يعيش الغرب,فهل عقيدته كعقيدتنا ؟ هل قيمه كقيمنا؟ هل تقاليده كتقاليدنا ؟ قطعا لا,و شتان بين مشرق ومغرب ,فلذلك لا يجوز أن ننقل عن القوم كل شيء, يجب أن نعرف من نحن؟ وعلى أي أرض نقف ؟ ينبغي أن نفهم أن رعاية الشباب ليست رعاية جسمه فقط, وإنما رعاية جسمه وعقله وقلبه ووجدانه.يجب أن تشمل رعاية الشباب كل هذه النواحي. هناك خطأ أساسي, خطأ جذري, في رعاية الشباب في العالم الإسلامي كله,هل ظن القائمون على شئون الشباب أنهم مسئولون عن الناحية الرياضية فقط ,وهذا خطأ.الرياضة جزء وليست كلا,وليست الجزء المهم ولا الأكبر .لا مانع للناس أن يمارسوا الرياضة لأنها مطلب شرعي إذا توفرت في ذلك الضوابط الشرعية .يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عند مسلم (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)أخرجه مسلم .

    ولكن الممنوع أن تصبح الرياضة وثنا يعبده الناس, وينقسمون حوله ,ويتحزبون أحزابا . ما قيمة هذا ؟نحن نريد الشاب القوي في جسمه,القوي في روحه,القوي في تفكيره ,القوي في إيمانه ,القوي في عزمه ,القوي في سلوكه , ولهذا يجب أن تتعاون الأجهزة كلها على حسن رعايته وتوجيهه,حتى يصبح مثلا حيا ,ويصبح مسلما حقيقيا, جديرا أن ينتسب إلى دينه وأن ينتسب إلى أمته, هذا الشاب النافع, وهذه هي الثروة التي نريدها.إننا نريد الشاب الذي يطيع أمر ربه في كل شيء ولا يعترض على شيء من أمر ربه وقدوته في ذلك إسماعيل ابن إبراهيم عليهما السلام حين قال له أبوه بعد أن بلغ معه السعي ,وأصبح يرجى منه " قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى" فماذا قال الولد لأبيه, والأمر يتعلق بعنقه وحياته ؟ "قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102 الصافات)

    نريد الشاب الذي يستعلي على الشهوات,ويتعفف عن الحرام ,ويرفض المعصية ,بدافع ذاتي من ضميره ,وخوفه من الله تعالى ,كما تمثل ذلك في يوسف ابن يعقوب الذي سعت إليه المعصية ,ولم يسع إليها ,ولكنه أبى واستعصم وقال لسيدته ومالكة أمره, وقد راودته عن نفسه ,بعد أن غلقت الأبواب ,وهيأت الأسباب, وقالت هيت لك, هنالك "قَالَ :مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ "(23 يوسف) نريد الشاب النقي الحنون البار بأسرته الذي يأخذ بتعاليم كتابه,كما تمثل ذلك في يحي ابن زكرياء ,الذي قال الله تعالى فيه (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14 مريم) روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس -ض[3]-قال :مابعث الله إلا شابا ,ولا أوتي العلم عالم إلا وهو شاب ,وتلا هذه الآية : قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60 الأنبياء أيها الفضلاء إن شباب هذه الأمة ونحن جزء من هذه الأمة مرجوون لنصرة دينهم وأمتهم ووطنهم .يقول أحد المصلحين :وجدت اليهودية من ينصرها ,ووجدت النصرانية من ينصرها,ووجدت الوثنية من ينصرها ,ووجدت الشيوعية من ينصرها ,وكل مبدا باطل وجد من ينصره إلا الإسلام,فقد غاب عنه أهله .إنهم في حالة غيبة وعي)[4] .

    أيها الإخوة الأكارم :صحيح هناك –والحمد لله –شباب صالحون تفخر بهم أمتهم ووطنهم يعدون بالآلاف ولكن كم يمثل هؤلاء المهتدون بالنسبة للآخرين ؟إنهم يمثلون قلة بالنسبة إلى كثرة كاثرة .حرام علينا أن نهمل أمر الشباب , حرام علينا أن نضيعهم ,حرام علينا ألا نفكر في قضاياهم.

    · بعض الوسائل التربوية في توجيه الشباب لأجل أن يكون لهم أثر في قوة الأمة ونهضتها :

    1- تربية الشباب على الوسطية والاعتدال:

    ومما ينبغي الحرص عليه في توجيه الشباب ليكون لهم أثر ايجابي في قوة الأمة ونهضتها هو تربيتهم على اتباع المنهج الوسط، الذي يتجلى فيه التوازن والاعتدال، بعيدا عن طرفي الغلو والتفريط، فهذه الأمة أمة وسط في كل شيء، ودين الله ـ كما أثر عن السلف ـ بين الغالي فيه والجافي عنه.ومن كلمات الإمام علي رضي الله عنه: عليكم بالنمط الأوسط، يلحق به التالي، ويرجع إليه الغالي.فالوسط هو مركز الدائرة التي ترجع إليه الأطراف المتباعدة عن يمين وشمال. وقد دعا الإسلام إلى الوسطية وهي من أبرز خصائص هذه الأمة قال تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً } [البقرة:143]. قال ابن كثير: "والوسط هنا المراد به الخيار والأجود كما يقال قريش أوسط العرب نسبا أي خيرها. فالإسلام يقدم المنهج الوسط في كل شأن من شؤون الحياة، ويحذر من المصير إلى الانحرافتين: الغلو أو التقصير.قال تعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } [آل عمران:110]وعن أبي هريرة ?، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)). أي غلبه الدين وعجز وانقطع عن عمله كله أو بعضه. وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إن المنبتّ لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى" والمنبت هو: الذي يكلّف نفسه بالسير ولا يستريح ولا يريح راحلته، هذا ينبت، يعني: ينقطع وتموت راحلته، ويقف في وسط الطريق: "فلا ظهراً أبقى" لأن راحلته ماتت، ولا أرضاً قطع لأن المسافة باقية. أما لو أخذ الطريق على مراحل، وشيئاً فشيئاً، وأراح نفسه، وأراح راحلته لقطع الطريق، وبلغ المقصود ولهذا قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أوغلوا فيه برفق" .وقال ابن حجر رحمه الله: ((والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية، وترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب)).

    2- تربيتهم على طلب العلم: لأن أفضل ما يطلب في هذه الدنيا هو العلم وكفانا أن نعلم أن الله تبارك وتعالى لم يأمر نبيه بطلب الازدياد من شيء إلا من العلم فقال له سبحانه وتعالى: {وقل ربى زدني علماً} والعلم كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (كفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من ليس من أهله، وكفى بالجهل عاراً أن يتبرأ منه من هو فيه).

    بل ويشهد الله جل وعلا لنفسه بالوحدانية ثم يثني في هذه الشهادة الجليلة الكريمة بملائكته ثم بأهل العلم فيقول سبحانه وتعالى: شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)*ويشهد سبحانه وتعالى لأهل العلم بهذه الشهادة الكريمة فيقول تعالى: وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ)*ثم يرفع الله قدرهم ومنزلتهم فيقول: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)**وما دام العلم باقياً فى الأرض فالناس فى هدى، وبقاء العلم ببقاء حملته فإذا ذهب حملته ومن يقوم به وقع الناس في الضلال.* ليس هناك خلاف بين أحد في أن أشرف موروث هو العلم؛ ذلك لأنه ميراث الأنبياء، كما قال عليه الصلاة والسلام: ( إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر )، ذلك أن للعلم حُسناً ذاتياً، فهذا هو ميراثهم.هذا باختصار

    ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم** على الهدى لمن استهدى أدلاء

    وقدركل امرئ ما كان يحسنه** والجاهلون لأهل العلم أعداء

    ففز بعلم تعش حيابه أبدا ** الناس موتى وأهل العلم أحياء

    *****************************************

    علم العليم وعقل العاقل اختلـفا ** من ذا الذي منهما قد أحرز الشرفا ؟

    فالعلم قال : أنا أحرزت غايتـه ** والعـقل قال أنا الرحمن بي عـرفا

    فأفصح العلم إفصاحا وقـال لـه ** بأينا الـله فـي فرقانـه اتصـفا ؟

    فبان للعقـل أن العـلم سيـده * فقبل العـقل رأس العلم وانصرفـا

    3- تشجيعهم على الإبداع:

    والإبداعات الحقيقية في دنيا الناس شتى لكن أعظمها وأهمها هو الإبداع العلمي أيًّا كان ذلك العلم، غير أن العلوم -كما لا يخفى- تتفاوت رتبها ومنزلتها ومكانتها، تبعًا لتفاوت نفعها وفائدتها، وبالتالي تعظم قيمة الإبداع أو تصغر تبعًا لذلك.وطلاب العلم ، أحوج ما يكونون اليوم إلى معرفة أسس الإبداع العلمي وركائزه ومكوناته ومعوقاته ومثبطاته.. إلخ ذلك لأن الأمة الإسلامية في هذا العصر، بحاجة ماسة إلى المبدعين المتميزين من أبنائها في شتى العلوم والمعارف النافعة وذلك للخروج من الذلة والضعف والتخلف الذي ضربت به منذ أمد بعيد.

    إن من أعظم ألوان الجهاد وأقوى أسلحته وأشدها مضاء في الوقت الحاضر هو التفوق العلمي وما وصلت الأمة إلى ما وصلت إليه اليوم من ضعف وهوان، جر عليها الويلات، وجرأ عليها الأعداء، وجعل خيراتها ومقدراتها نهبا للقاصي والداني إلا بسبب التخلف العلمي سواء في مجال النظريات أو في مجال العمليات.

    يجب أن نعلم أن هذا العصر هو عصر القوة، وأنه لا مكان فيه للضعفة البطالين، ولا للمتواكلين المتخاذلين، وأن العالم لن يرحمهم، ولو طفرت منهم العبرات، أو علت منهم الزفرات.فشعار العالم اليوم إما أن تعمل، وإما أن ترحل، إما أن تطأ على قدميك، وإما أن تطأ الأقدام عليك.

    قال ابن القيم: «إنما جعل طلب العلم من سبيل الله لأن به قوام الإسلام كما أن قوامه بالجهاد فقوام الدين بالعلم والجهاد، ولهذا كان الجهاد نوعين: جهاد باليد والسنان، وهذا المشارك فيه كثير، والثاني: الجهاد بالحجة والبيان وهذا جهاد الخاصة من أتباع الرسل، وهو جهاد الأئمة وهو أفضل الجهادين لعظم منفعته وشدة مؤنته وكثرة أعدائه»[5]

    أتحنو عليك قلوب الـورى **إذا دمع عينيك يوما جـرى؟

    وهل ترحم الحمل المستضام ** ذئاب الفلا وأسود الشرى؟

    وماذا ينال الضعيف الذليل ** سوى أن يحقر أو يـزدرى؟**

    فكن يابس العود صلب القناة ** قـوي المراس مـتين العـرى

    ولا تتذلـل لبغـي البغـاة ** وكـن كاسرا قبل أن تكـسرا

    **إذا كنت ترجو كبار الأمـور ** فأعـدد لهـا همـة أكـبرا

    طريق الـعلا أبـدا للأمـام ** فويحك هل ترجع القهـقرى؟

    وكل الـبرية فـي يقـظة ** فويل لمن يستطيب الكـرى

    4-تربية الشباب على النظرة المستقبلية:

    وقد قص علينا القرآن الكريم من أنباء الرسل والصالحين ما فيه عبرة لأولي الألباب، في مواجهة احتمالات المستقبل، وتقلبات الأيام.

    أ‌- فهذا يوسف الصديق وهو شاب من شباب الأمة في ذلك الزمان يخطط لمواجهة المجاعة:

    وقد قص علينا القرآن قصتة عليه السلام، وكيف أنقذ الله على يديه مصر وما حولها من أزمة غذائية طاحنة، ألهم الله يوسف فخطط لها أحسن التخطيط لمدة خمسة عشر عاما، أقام فيها اقتصاد مصر ـ وكانت الزراعة أساسه ومحوره ـ على زيادة الإنتاج، وتقليل الاستهلاك، وتنظيم الادخار، وإعادة الاستثمار، حتى نجت مصر من المجاعة، وخرجت من الأزمة معافاة، بل كان لها فضل على ما حولها من البلدان، التي لجأ إليها أهلها يلتمسوا عندها الميرة والمئونة، كما يبدو ذلك في قصة إخوة يوسف الذين ترددوا على مصر مرة بعد مرة، وقالوا له في المرة الأخيرة: (يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر، وجئنا ببضاعة مزجاة، فأوف لنا الكيل وتصدق علينا، إن الله يجزي المتصدقين) (سورة يوسف:87). كان هذا التخطيط مما علمه الله ليوسف عليه السلام ومما أكرم الله به أهل مصر. وكان يوسف هو الذي رسم معالم التخطيط، وهو الذي قام بالتنفيذ، وهو لدى الدولة مكين أمين، وعلى خزانتها وأمورها حفيظ عليم[6].

    ب‌- سد ذي القرنين: وقصة أخرى قصها الله علينا فيها درس للشباب الذي يريد النهوض بأمته : قصة ذي القرنين الذي بنى سده العظيم، ليقف حاجزا منيعا ضد هجمات قبائل يأجوج ومأجوج لأولئك الأقوام الذين كانوا لا يستطيعون لهم دفعا إذا هاجموهم مفسدين في الأرض، مهلكين للحرث والنسل.(قالوا: يا ذا القرنين، إن ياجوج وماجوج مفسدون في الارض. فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا؟ قال: ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة اجعل بينكم وبينهم ردما. آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال: انفخوا، حتى إذا جعله نارا، قال آتوني أفرغ عليه قطرا. فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا، قال: هذا رحمة من ربي، فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء، وكان وعد ربي حقا) (سورة الكهف:94-98).فكان مشروع ذي القرنين هذا من المشروعات الأمنية المستقبلية التي أقامها ذلك الحاكم الصالح لمواجهة احتمالات الغد، وصد هجمات أولئك المفسدين الذين أرعبوا من حولهم بغاراتهم المدمرة، وإنما استطاع ذلك ـ بعد إيمانه بالله ـ بفضل تعاون الشعب معه بالحب لا بالقهر والعمل بالمواد والإمكانات المتاحة حتى قام السد الكبير.

    ج- الرسول صلى الله عليه وسلم يخطط للمستقبل : ولنا فيه صلى عليه وسلم الأسوة الحسنة حينما كان يعرض دعوته على قبائل العرب في موسم الحج بمكة، يطلب منهم الإيمان به، والنصرة له، كان يفكر في مستقبل دعوته، والبحث عن أرض خصبة يبذر فيها بذوره، وينقل إليها نشاطه، ويقيم فيها حكم الله.

    ولما شرح الله صدر الأوس والخزرج من أهل يثرب لقبول الدعوة والإيمان بها والمبايعة على نصرته عليه الصلاة والسلام ، وبعث إليهم "مصعب بن عمير" وأمر أصحابه بمكة بعد ذلك بالهجرة إلى إخوانهم هناك، كان ذلك كله تخطيطا لنقل مركز الدعوة إلى المهجر الجديد، حيث تقام دولة الإسلام، ويرتفع علم الإسلام.وكذلك حين قال صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة: أحصوا لي عدد من يلفظ بالإسلام، فأحصوا له، فكانوا ألفا وخمسمائة كما روى ذلك البخاري ومسلم في صحيحيهما، كان يريد أن يعرف مقدار ما لديه من قوة، حتى يبني خطته على أساس سليم من الإحصاء والمعلومات الدقيقة. وحين صالح قريشا في "الحديبية" وهادنهم لمدة عشر سنوات، كان يريد أن يتفرغ لنشر الدعوة، وتبليغ الرسالة إلى الملوك والأمراء في العالم من حوله، وهكذا فعل صلى الله عليه وسلم.

    د-الخلفاء الراشدون يخططون للمستقبل:

    وهكذا نجد من بعده صلى الله عليه وسلم الصحابة والخلفاء الراشدين يحسبون حساب المستقبل، ويقابلون احتمالاته وتوقعاته بما ينبغي من إعداد وحذر وكيف لا وقد قال تعالى:(يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم) (سورة النساء:71).وهذا ما دعاهم في عهد أبي بكر إلى كتابة القرآن الكريم في مصحف بعد أن كان متفرقا في صحف ومواد متعددة، حينما قتل الكثير من القراء في معركة اليمامة وغيرها من معارك حروب الردة، فخشوا أن يتفاقم ذلك في المستقبل فكانت كتابة المصحف.-ومن ذلك موقف عمر –ض-من قسمة أرض العراق بعد فتحها ومطالبة بعض الصحابة الفاتحين أن تقسم عليهم، باعتبارها غنيمة لهم أربعة أخماسها، ورفض ذلك عمر ومعه كبار الصحابة من أمثال علي ومعاذ رضي الله عنهم.وكان عمر ومن معه ينظرون إلى المستقبل، مستقبل الأجيال الإسلامية القادمة إذا استحوذ الجيل الحاضر على مصادر الثروة، فماذا يبقى لهم بعدها؟!ولهذا قال عمر للصحابة الذين أرادوا قسمة أرض سواد العراق عليهم باعتبارها غنيمة لهم أربعة أخماسها، كالمنقولات: أتريدون أن يأتي آخر الناس وليس لهم شي؟!

    أيها الإخوة الفضلاء: لا عجب أن يكون الشباب هم عماد الأمة، فالشباب دائما هم أنصار الرسالات السماوية وجنود الدعوات الربانية، لأنهم أنقى قلوبا، وأرق عواطف وأقوى عزائم.ومن هنا حدثنا القرآن الكريم عن عدد من الشباب المثالي، كانوا قمما ترنو إليها الأبصار، وتشرئب نحوها الأعناق، في الإيمان أو التقوى أو الشجاعة والصبر، أو البذل والفداء.

    · حدثنا عن إبراهيم الذي حطم الأصنام وجعلها جذاذا، ضربا بيمينه وتكسيرا بفأسه، وهو فتى، كما شهد بذلك الكفار من قومه.

    · حدثنا عن إسماعيل الذي قدم عنقه طائعا مختارا لأبيه، لينفذ فيه أمر الله، بلا تردد ولا تباطؤ ولا ادعاء (قال يا أبت افعل ما تؤمر، ستجدني إن شاء الله من الصابرين)-حدثنا عن يوسف الذي قاوم الإغراء والفتنة من امرأة العزيز ومن وراءها من النسوة، قائلا: (رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه)-حدثنا عن يحيى الذي قال له (يا يحيى خذ الكتاب بقوة، وآتيناه الحكم صبيا، وحنانا من لدنا وزكاة وكان نقيا، وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا)- حدثنا عن أتباع موسى فقال: (فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم).

    · حدثنا عن أهل الكهف، فقال: (إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى).

    كما, حدثنا التاريخ عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، الذين عزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، وكانت جمهرتهم الغالبة شبابا.

    · وحدثنا كذلك عن دور الشباب في صدر الإسلام وما قاموا به من دور في العلم والعمل والدعوة والجهاد.

    فلا غرو أن ينبعث الشباب اليوم، ليؤدوا بعض ما أداه آباؤهم من قبل.

    وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.والحمد لله رب العالمين..



    [1] هذه المحاضرة ألقيتها بمسجد عبد الله بن مسعود بمدينة المشرية وذلك في الملتقى الثالث حول الشباب واقع وتطلعات وكان ذلك يوم 07/07/2011

    [2] خطب الشيخ القرضاوي/ ج /4

    [3] ذكره ابن كثير ج 3ص182

    [4] من خطب الشيخ القرضاوي .

    [5] مفتاح دار السعادة (1/ 271).

    [6] الصحوة الإسلامية وهموم الوطن العربي والإسلامي

    الدكتور. يوسف القرضاوي عدد الأجزاء / 1